عبد العزيز عتيق

11

علم البيان

المثل لا على طريق الحقيقة . قال ابن ميادة : يداه يد تنهلّ بالخير والندى * وأخرى شديد بالأعادي ضريرها وناراه : نار نار كل مدفّع * وأخرى يصيب المجرمين سعيرها » « 1 » فالمثل المرادف عنده للمجاز قد استعمله مقابلا للحقيقة ، وبهذا كان أوّل من فطن إلى تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز . ولا شك أنّ هذا ينفي ما زعمه ابن تيمية في كتابه « الإيمان » « 2 » من أنّ تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث بعد القرن الثالث الهجري . ولعلّ خير من أفاد من ملاحظات الجاحظ البلاغية وبنى عليها وطورها هو ضياء الدين بن الأثير المتوفى سنة 637 للهجرة ، في كتابه « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » ، كما سنرى فيما بعد . ومجمل القول في الجاحظ من جهة البلاغة أنّه ألّم في كتبه بالأساليب البيانية من تشبيه واستعارة وكناية وحقيقة ومجاز ، ولكنه لم يوردها في تعريفات اصطلاحية ، وإنّما جاء تعريفه لها والدلالة عليها عن طريق الأمثلة والنماذج لا عن طريق القواعد البلاغية . والمقارنة بينه وبين من تقدموه في هذا الميدان تظهر أنّه كان بلا شك أقدرهم على إدراك أسرار البلاغة ، وأكثرهم اهتداء عن طريق النماذج إلى شتى العناصر أو الأساليب البيانية التي عرفت وحدّدت فيما بعد ، وأصبحت تؤلف مباحث البلاغة وموضوعاتها . ولهذا فهو يعدّ بحق مؤسس

--> ( 1 ) كتاب الحيوان للجاحظ ج : 5 . ص 133 الضرير : الشدة والبأس . الكل بفتح الكاف : من يعوله غيره ، أو اليتيم . المدفع بفتح الدال وتشديد الفاء : الفقير الذليل . ( 2 ) الإيمان . ص 34 .